محمد بن علي الشوكاني
5723
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الصحيح ( 1 ) ، وكذلك حسان - رضي الله عنه - كان ينشد الصحابة أشعاره في مسجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، وقال لما أنكر عليه عمر رضي الله عنه : " قد كنت أنشده وفيه من هو خير منك " ( 2 ) ، والأمر في مثل هذا كثير يطول تحريره ، ويكثر بسطه ، وكل عالم يعلمه ، فما كان من هذا الجنس مما علم حله بأدلته فهو من الحلال البين ، فلا يحل لمسلم إنكاره ، ولا يجوز القول بأنه من البدع التي هي ضلالة ، وإنما إذا كان ذلك الاجتماع يصحبه فيه شيء من منكرات الشرع ، كالتغني بالأشعار بالأصوات المطربة ، والتوقيعات المختلفة ، وذكر ما لا يحل ذكره من التشوق إلى معاصي الله - عز وجل - ، والتنشيط إلى مواقعة محارمه [ 4 أ ] ، والترغيب إلى تعدي حدوده ، وهتك الأعراض بالمقاولات السخيفة ، وثلب أعراض المسلمين بالغيبة ، والسعي بينهم بالنميمة ، وعلى الجملة فإذا اشتملت تلك المجالس والمجامع على شيء مما ورد الشرع بتحريمه فحضورها حرام ، والقعود فيها معصية ، لأنها من قسم الحرام البين . ويجب على المسلمين الإنكار على من تلبس بشيء منها ، وإن كان ما يقع في تلك المجالس والاجتماعات التي يسمونها ولائم وأعراسا وتعزية لميت ، وتسلية لمحزون ، وملاقاة لقادم من غيبة ، وزيارة لمن يحق له عندهم الزيارة مما لم يتبين كونه حلالا ، ولا لكونه حراما ، فهو من الأمور المشتبهة ، والمؤمنون وقافون عند الشبهات ، فاجتناب هذه المجالس هو شأن المؤمنين ، ودأب المتمسكين بالدين ، فمن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن لابسها وجالس أهلها فقد حام حول الحمى ، ورتع في جوانبه ، فيوشك أن يواقعه ، وهو أيضًا لم يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وهو أيضًا دخل في أمر ليس عليه أمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ففعله رد عليه فإن أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الوقوف عند الشبهات ، واجتناب ملابستها وهو أيضًا لم يترك ما يشتبه عليه من الإثم ، فيوشك أن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 439 ) وقد تقدم ذكر القصة . ( 2 ) انظر " فتح الباري " ( 1 / 548 ) .